“ألفا عام من الصداقة، وخمسة عقود من الشقاء”
في تلك الليلة في مُجمَّع “تشونغ نان هاي” في قلب العاصمة بكين، اندفعت نسمات خريفية اختلطت بالأضواء الرقيقة المتسللة من بين أجنحته. كان ثمة ما يوحي باحتفالية ناعمة في المبنى المقام على طراز العمارة الإمبراطورية الصينية، والذي طالما مثل عصب الدولة ومركز قرارها. غير أن هذا الغلاف الناعم كان منافيا لما يجري في الداخل. فعلى مدار اليومين السابقين لهذا المساء، مساء 27 سبتمبر/أيلول 1972، كان التحفظ وسوء الفهم أكثر حضورا من غيرهما فوق طاولة التفاوض.
في أحد طرفي تلك الطاولة، جلس رئيس الوزراء الياباني كاكوي تاناكا ووفده المرافق، في أول زيارة من نوعها لرئيس حكومة ياباني إلى الصين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، بهدف إنهاء سنوات القطيعة وفتح الطريق أمام تطبيع العلاقات بين البلدين. في حين جلس على طرفها الآخر مضيفه الصيني، الذي ضاق بغموض الموقف الياباني تجاه تايوان، وباعتذار تاناكا الذي بدا أقرب إلى مجاملة بروتوكولية منه إلى مواجهة صريحة مع ماض ثقيل.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
صحيح أن تاناكا لم يكن دبلوماسيا هادئا ولا بيروقراطيا نخبويا، بل رجلا ريفيا عصاميا، يميل لاستخدام المال والحلول العملية المباشرة بدلا من الكلمات المنمقة، إلا أن زيارته لبكين تطلبت قدرا من الهدوء، لأنها هدفت بالأساس لإنهاء 27 عاما من القطيعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقبلها الغزو الياباني للصين عام 1937، وما تلاه من احتلال امتد 8 سنوات وخلَّف فظائع ما تزال محفورة في الذاكرة الصينية إلى اليوم؛ إذ أودت تلك الحرب بحياة نحو 20 مليون صيني، فيما شهدت نانجينغ، عاصمة الصين آنذاك، حملة قتل وحرق ونهب مُنظم امتدت 6 أسابيع؛ أُعدم خلالها الأسرى العُزل جماعيا، ودُفن بعضهم أحياء، وقُتل المدنيون رميا بالرصاص وطعنا بالحراب، حتى إن صحيفة يابانية تناقلت في حينه خبر “مسابقة” بين ضابطين على أيهما سيقتل مئة شخص بسيفه أولا.
حين وقف تاناكا في مأدبة العشاء الأولى لإلقاء خطابه، وصف ما فعلته بلاده بعبارة يابانية مهذبة مفادها: “لقد سببنا إزعاجا”. وعندما نُقلت العبارة إلى الصينية، لم يجد المترجم إلا لفظا يُستخدم عادة للاعتذار عن الهنَّات البسيطة، لا عن مذبحة تاريخية، ما أثار امتعاض الحاضرين؛ إذ بدا لهم أن رئيس الوزراء الياباني يختصر معاناة هائلة في كلمة لا تكاد تتسع لقطرة دم. عندها خُيل إلى الوفد الياباني أن الزيارة تتجه إلى التعثر، غير أن ذلك المساء كان يخبئ ما لم يكن في الحسبان؛ فقد أُبلغ الوفد فجأة بأن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ سيستقبلهم بنفسه.
بطابعه الأبوي ونبرته الساخرة المعهودة وصوته الجهوري، تولى ماو تصحيح زلة لسان تاناكا، قائلا: “تُقال هذه الكلمة حين يسكب أحدهم الماء على تنورة امرأة”، لا حين يُقتل الملايين. ورغم ذلك، تذكر المصادر أن أجواء الليلة كانت أقل رسمية وسادها منطق “حل المشكلات”؛ ففي مبادرة ظاهرها الصفح وغايتها فتح الطريق أمام طوكيو، قرر ماو التخلي عن طلب تعويضات الحرب، التي قُدِّرت بـ 50 مليار دولار، معتبرا أن الصداقة بين الشعبين أهم من المال. كان أسلوب ماو البراغماتي العملي في ذروته، غير أن الأكثر غرابة في تلك الليلة وقع حين حاول تاناكا شكر ماو وتكرار الاعتذار؛ إذ قاطعه الزعيم الصيني قائلا ما معناه إنه لا حاجة إلى الاعتذار، بل إن على الصين أن تشكر اليابان على الغزو!

عبارة واحدة تكفي
كانت عبارة الشكر شديدة التناقض مع كل ما كان حاضرا ليلتها، من ذكريات إبادة وخراب إلى جانب اعتذار مبتور؛ فأن تشكر الضحية جلادها ويتحوّل الغزو إلى موضع امتنان أمر كفيل بذهاب العقل. غير أن العبارة تصبح أقل غرابة حين تُقرأ داخل علاقة اعتادت الجمع بين الذاكرة والمصلحة، وبين الاتهام والتفاوض، وبين استدعاء الماضي والحاجة إلى تجاوزه. لذلك تكفي زلة لسان، أو عبارة مرتجلة، أو سوء فهم عابر، كي تتحول اللغة إلى ممر يعبر منه الماضي كله، لغرض أو لآخر.
ولعل أحدث أمثلة ذلك ما وقع في مداولات البرلمان الياباني في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حين تسبَّبت عبارة صادرة عن رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في أزمة جديدة بين البلدين، بعدما قالت إن أي حصار بحري صيني حول تايوان قد يُصنَّف رسميا بوصفه “أزمة وجودية تهدد بقاء اليابان”، بما يسوغ قانونيا تفعيل حق الدفاع الجماعي عن النفس واستنفار قوات الدفاع الذاتي اليابانية.
ورغم أن العبارة جاءت ردا على سؤال وُجه إلى تاكايتشي بشأن الحالات التي تمثل خطرا وجوديا على اليابان في العموم، ما يعني أنها لم تكن صياغة مكتوبة سلفا أو تصريحا مُعدا لاستفزاز بكين، فإنها لم تجد هذه المرة “ماو” آخر يستوعب الالتباس أو يطويه بمنطق الصفقة السياسية. فقد تعاملت الصين مع التصريح بوصفه تجاوزا لخط أحمر، لا مجرد ارتجال عابر. فقبل تاكايتشي، لم يسبق لرئيس وزراء ياباني أن أشار بهذا الوضوح إلى أي هجوم صيني على تايوان بوصفه تهديدا لبقاء طوكيو.
“وضع تصريح واحد تايوان في مركز الاشتباك التاريخي بين الصين واليابان”
وعليه، ردَّت بكين بحملة سياسية ودبلوماسية حادة أعادت تايوان إلى مركز الاشتباك بين القوتيْن الآسيويتيْن، قبل أن تتحرك الأزمة من اللغة إلى البحر والسوق؛ إذ أرسلت الصين سفنا تابعة لخفر السواحل إلى محيط جزر سينكاكو، التي تديرها اليابان وتطالب بها بكين باسم دياويو، كما أصدرت تحذيرات سفر أثرت في شركات السياحة والتجزئة اليابانية، ولوَّحت بأدوات ضغط تجارية، شملت قيودا على بعض الواردات اليابانية والمواد ذات الاستخدام المزدوج.
كانت الأزمة كاشفة؛ فطبيعة الملفات التي استدعتها، من تايوان إلى الجُزر إلى حركة السياحة والتجارة، بدت مثل أرشيف متحرك لعلاقة بلديْن طالما تبادلا السلع وتبادلا معها الخوف. ووراء هذا التوتر، الذي يبدو للوهلة الأولى نزاع قوى على الممرات البحرية والنفوذ وأشباه الموصلات، تقبع ذاكرة 14 قرنا من تجاور متقلب، بدأ بتأثُّر ثقافي ياباني واسع قادم من الصين، دون ذوبان كامل في الحضارة الصينية، ثم انقلاب في العصر الحديث إلى غزو واحتلال ياباني للصين، قبل أن يعيد الصعود الصيني المعاصر ترتيب الخوف في شرق آسيا ويضع اليابان أمام جار قديم بقوة جديدة.
ولعل أبلغ من اختزل هذا التاريخ كلَّه رجلٌ كان حاضرا في ليلة 27 سبتمبر/أيلول 1972 نفسها بقاعة “تشونغ نان هاي”. فإلى جانب ماو، كان تشو إن لاي، رئيس وزراء الصين، هو من تولَّى مفاوضات تطبيع العلاقات مع تاناكا وأمسك بخيوطها الدقيقة. وكان تشو قد عرف اليابان من الداخل حينما درس فيها إبان شبابه، وهو القائل في توصيفه لمجمل تاريخها: “ألفا عام من الصداقة، وخمسة عقود من الشقاء”.

تفاعُل بدون ذوبان
لفهم ما وراء عبارتيْ ماو وتشو إن لاي، علينا العودة أكثر من ألف سنة، تحديدا إلى عام 838، حين أقلعت آخر بعثة دبلوماسية رسمية يابانية من موانئ الصين أثناء حُكم سلالة تانغ، التي حكمت الصين بين القرن السابع وأوائل القرن العاشر، وبلغت في عهدها الصين ذروة سياسية وثقافية جعلتها مركزا آسيويا للعلم والإدارة والدين والفنون.
كانت تلك البعثات واحدة من قنوات التأثُّر الكبرى التي ربطت الأرخبيل الياباني بالصين منذ مطلع القرن السابع، حين أرسلت عشيرة “ياماتو” (التي تعد النواة السياسية الأولى للدولة اليابانية)، أول بعثة رسمية إلى سلالة “سوي” الصينية، وهي سلالة قصيرة العمر أعادت توحيد الصين بعد قرون من التشرذم ومهَّدت لقيام تانغ من بعدها. جرى ذلك في عهد الإمبراطورة سويكو، أول امرأة تعتلي العرش الياباني، وبتوجيه من ولي عهدها ووصيها الأمير شوتوكو، رجل الدولة الذي يُنسب إليه إرساء أسس الدولة اليابانية المبكرة ورعاية البوذية فيها ركيزة للنظام الاجتماعي.
كان بحر شرق الصين في ذلك الوقت طريقا لانتقال المعرفة، لا ساحة صراع. وكانت السفن المتعاقبة فيه أشبه بخزائن متنقلة، تحمل لفائف بوذية، ونسخا من نصوص “السوترا” المقدسة، ومصنفات في الإدارة والفلك والطب، إلى جانب آلات موسيقية وتماثيل وأيقونات دينية. وكان بين ركابها رهبان وطلبة وحرفيون أمضوا سنوات في الصين، وعادوا إلى اليابان بخبرات في الحكم وتخطيط المدن ومراسم البلاط وفنون الصناعة والدواء.
كانت تشانغآن، عاصمة تانغ (مدينة شيآن الحالية تقريبا)، المثال العمراني والسياسي الأبرز في شرق آسيا؛ ومن نموذجها استلهمت اليابان تخطيط عواصمها، حيث بُنيت “نارا”، أول عاصمة يابانية دائمة، على المخطط نفسه، ثم جاءت كيوتو المبنية على نمط شبكي مشابه، وهو تخطيط ما تزال كيوتو محتفظة بملامحه الأساسية إلى اليوم، فمن يمشي في شوارع كيوتو المتعامدة اليوم يمشي، من حيث لا يدري، في ظل هندسة تشانغآن.
“استلهم اليابانيون من الصين نموذج الدولة الإدارية لإنهاء سلطة العشائر المتنافسة وبناء هيكل مركزي يدين للبلاط وحده”
إضافة إلى ذلك، استلهم اليابانيون من الصين نموذج الدولة الإدارية لإنهاء سلطة العشائر المتنافسة وبناء هيكل مركزي يدين للبلاط وحده، وكان قانون “تايهو”، مطلع القرن الثامن الميلادي، علامة فارقة في هذا المسار؛ إذ مكَّن الدولة من فرض الضرائب وتجنيد الفلاحين وإقامة المشاريع الكبرى، وقد كُتب هذا القانون بمشاركة متخصص صيني لضمان دقة النقل عن النموذج الإداري لأسرة تانغ.
في الوقت ذاته، شكل الاقتباس اللغوي والديني أعمق هذه الاستلهامات. لم تمتلك اليابان نظاما كتابيا مكتملا خاصا بها وقتذاك، فاعتمدت الحروف الصينية (الكانجي) لتدوين نصوصها الأولى، التي صيغت على غرار تواريخ الأسر الصينية الرسمية وبغاية سياسية مكشوفة: إضفاء الشرعية على البيت الإمبراطوري وتثبيت سردية جامعة لأصل السلطة والثقافة في الأرخبيل.
غير أن هذا المسار بدأ يتراجع بعد بعثة عام 838؛ بعدما دخلت أسرة تانغ طور الضعف والاضطراب، وكانت اليابان قد استوعبت ما احتاجته لبناء دولة مركزية وثقافة مكتوبة ونظام بلاط أكثر نضجا. وفي هذا الشأن، يرى المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي إزرا فوغل أن مقدمات ذلك كانت متوفرة منذ البداية؛ فالاقتباس الياباني من الصين لم يكن ذوبانا سياسيا، بل تعلُّما انتقائيا واعيا استخدمت فيه اليابان النموذج الصيني لبناء دولة يابانية مستقلة في قوتها وهويتها، وطوَّعت ما أخذته بما يلائم حاجاتها وأذواقها الخاصة. أحد أمثلة ذلك، بحسب فوغل، رفض اليابان تبنِّي نظام الامتحانات الإمبراطورية (الكيجو) بوصفه أساسا للحكم، وهو نظام جعل من الموظف المُمتحَن عماد الدولة الصينية وآلية تجديد نخبتها من خارج الأرستقراطية، لكنه لم يترسخ في اليابان رغم محاولة اقتباسه في عصر نارا؛ إذ سرعان ما طغت عليه الوراثة الأرستقراطية.

كوريا أمس.. تايوان اليوم
بعد أربعة قرون، كان بحر شرق الصين يكتسب معنى آخر. ففي القرن الثالث عشر ظهرت أولى فصول الاحتكاك العسكري المباشر، حين حاولت قوات قوبلاي خان، حفيد جنكيز خان ومؤسس أسرة يوان المغولية التي أخضعت الصين لحكمها، غزو اليابان مرتين عبر البحر. فشلت المحاولتان بفعل المقاومة اليابانية والعواصف البحرية المدمرة التي حطمت أساطيل الغزو، وخلَّدتها الذاكرة اليابانية باسم “الرياح الإلهية” (الكاميكازي).
ثم جاء أخطر فصول ما قبل الحداثة مع غزوتي تويوتومي هيديوشي لكوريا في أواخر القرن السادس عشر، المعروفتين بحربَيْ “إيمجين”. كان هيديوشي، الزعيم العسكري الذي وحَّد اليابان بعد قرن من التشرذم الإقطاعي، قد حشد جيشا ضخما واجتاح شبه الجزيرة الكورية، لا بوصفها هدفه النهائي، بل بوصفها طريقا إلى الصين التي كانت تحكمها آنذاك أسرة مينغ. وحين بلغ الخطر حدود المجال الصيني، دفعت مينغ بجيوشها إلى كوريا لصدِّ الهجوم، بوصفها القوة الراعية لكوريا ضمن نظام الجزية الإقليمي. وهكذا تحوَّلت الأرض الكورية إلى ساحة حرب إقليمية بين طموح ياباني في التوسُّع ونظام صيني يسعى إلى حماية مجاله الآسيوي، قبل أن تنتهي الحرب بانسحاب اليابانيين بعد موت هيديوشي.
هذا النمط ظل يتكرر لاحقا بثلاثة عناصر شبه ثابتة: قوة صاعدة تريد توسيع مجالها في شرق آسيا، وقوة راسخة تسعى لحماية نظامها الإقليمي، ومنطقة عازلة تتحول إلى ممر وساحة صدام. قديما شكَّلت اليابان القوة الصاعدة التي اندفعت نحو القارة عبر كوريا، في مقابل صين تتدخل لحماية نظامها الإقليمي. أما اليوم فقد انقلبت الأدوار، إذ إن الصين هي القوة الصاعدة التي تضغط باتجاه تايوان التي تعتبرها جزءا لا يتجزأ نت أراضيها، في حين ترى اليابان في الجزيرة وممراتها وتحالفها الغربي خط دفاعها الأول.

وقد شكَّلت الحرب الصينية اليابانية بين عامي 1894 و1895 واحدة هذه الجولات، حين تنازعت يابان ميجي وصين أسرة تشينغ النفوذ في كوريا؛ فاندلعت حرب أغسطس/آب 1894 وكانت نتيجتها صاعقة للصين بعدما دُمِّر أسطول بييانغ الصيني في معركة نهر “يالو” البحرية، بعد أن كان يُنظر إليه بوصفه فخر التحديث العسكري الصيني. ثم تقدمت القوات اليابانية إلى شبه جزيرة لياودونغ وميناء بورت آرثر، حتى باتت تهدد بكين نفسها. ولتثبيت الانقلاب في ميزان القوة وقَّع الطرفان معاهدة “شيمونوسيكي”، التي أقرَّت فيها الصين باستقلال كوريا، مُنهية قرونا من تبعيتها للنظام الصيني، وتنازلت لليابان عن تايوان وجزر بنغهو وشبه جزيرة لياودونغ، كما دفعت تعويضا هائلا عادل حينها ميزانية الصين لثلاثة أعوام تقريبا.
كان ذلك أول احتلال ياباني لأرض صينية، إذ بقيت تايوان تحت الحكم الياباني خمسين عاما (حتى عام 1945)، وهي تفصيلة تمنح أزمة اليوم أحد جذورها التاريخية العميقة. وقد شكلت الهزيمة زلزالا رمزيا في وعي الصين بذاتها، أو ما يصفه عزرا فوغل بـ”كارثة روحية” أفقدت الصين فجأة اعتزازها بحضارتها، الممتدة قرابة ألفي عام، إثر تبدل اتجاه التأثير التاريخي بين البلدين.
“بقيت تايوان تحت الحكم الياباني خمسين عاما، وكان ذلك أول احتلال ياباني لأراض صينية”
وسرعان ما جاءت الجولة الأقسى حين لم تعد اليابان تكتفي بالأطراف واندفعت إلى قلب الصين، فاحتلت بكين وشنغهاي ثم نانجينغ في ديسمبر/كانون الأول 1937، حيث ارتُكبت المذبحة التي كوَّنت الجرح الأكبر في الذاكرة الصينية الحديثة، ولم تنتهِ إلا باستسلام اليابان يوم 2 سبتمبر/أيلول 1945. ومن هذه السنوات تحديدا تشكَّلت “لاحقا” ذروة ما يُعرَف بـ “قرن الإذلال” في الوعي الصيني، ومنها تفرَّعت الملفات التي لا تزال تسمم العلاقة مع طوكيو.

تاريخ يُبدِّل المقاعد
يُفسِّر المؤرخان جون فيربانك وإدوين رايشاور، في عملهما المرجعي عن شرق آسيا، انقلاب الأدوار بين البلديْن من زاوية أعمق من نتيجة الحرب نفسها. فقد تلقت الصين صدمة الغرب بعنف منذ حروب الأفيون في منتصف القرن التاسع عشر، حين فرضت بريطانيا ثم قوى أوروبية أخرى معاهدات مجحفة فتحت الموانئ الصينية للتجارة الأجنبية، وانتزعت امتيازات قانونية وسياسية من دولة كانت ترى نفسها مركزا للعالم.
أما اليابان، فجاءت صدمتها الأولى أليَن نسبيا مع وصول سفن الأسطول الأمريكي بقيادة الكومودور ماثيو بيري عام 1853، وما تبعه من فتح الموانئ اليابانية تحت الضغط الغربي، من دون هزيمة عسكرية مُدمِّرة ومُذِلَّة على غرار الصين. ومع ذلك، جاءت الاستجابة اليابانية أسرع وأعمق؛ فالفارق لم يكن في حجم الصدمة، بل في طبيعة النخبة التي تلقتها، وفي قدرة الدولة على تحويل الخوف إلى مشروع إصلاح.
ففي اليابان، تولى قادة الساموراي الشباب، الذين سيُعرفون لاحقا بـ”أوليغارشية ميجي”، مهمة إعادة بناء الدولة. والأوليغارشية هي حكم قلة صغيرة متنفذة تمسك بمفاصل السلطة، أما ميجي فهو اسم الحقبة التي افتُتحت عام 1868 بعودة السلطة الفعلية إلى الإمبراطور، وتعني “الحُكم المستنير”. وقد اتسمت هذه النخبة ببراجماتية واستعداد لاقتباس أي مؤسسة أو فكرة أو أداة نافعة لتقوية الأمة اليابانية. وبحُكم تكوينهم العسكري الإقطاعي، فهموا مبكرا معنى التفوق الغربي في السلاح والتنظيم؛ فلم يحتاجوا إلى هزيمة ساحقة كي يدركوا الفجوة، إذ كانت رؤية السفن والمدافع الغربية كافية لتوليد شعور عاجل بالحاجة إلى التغيير.

وساعدت البنية الاجتماعية اليابانية على هذا التحول. فقد قام المجتمع الإقطاعي على روابط ولاء رأسية تربط الساموراي بالقادة المحليين، فكان من السهل إعادة توجيه هذا الولاء إلى الإمبراطور بوصفه رمزا للوحدة الوطنية. وهكذا لم تُهدم البنية القديمة دفعة واحدة، بل وُظِّفَت طاقتها السياسية في بناء دولة مركزية حديثة، وجُعل الإرث الإقطاعي نفسه مادة لبناء أمة جديدة.
في المقابل، كانت النخبة الصينية الحاكمة أكثر تشبثا بجذورها، ورأت في التغيير شرا اضطراريا لا فرصة لإعادة البناء. وحتى حين ظهرت حركة “التقوية الذاتية”، بقي هدفها حماية البنية القديمة لا تغييرها، إذ قامت على مقولة كاشفة: “المعرفة الصينية أساسا، والمعرفة الغربية للاستعمال”؛ أي استيراد السلاح والمصانع والبوارج من دون المساس ببنية الحكم والفكر الكونفوشيوسية. وهكذا ظل التحديث ترقيعا تقنيا فوق هيكل سياسي لم يتغير، يفتقر إلى دعم حاسم من قمة السلطة ومثقلا بنخبة تستمد مكانتها من تراثها الكلاسيكي لا من مواكبة الحداثة.
هنا تظهر أهمية التقليد الياباني الأقدم في الاقتباس الانتقائي. فمنذ بعثات تانغ التي أشرنا إليها، اعتادت اليابان أن ترى نفسها آخذة من القارة، لكن واعية بما تقتبسه، وقادرة على إعادة صوغه داخل بنيتها الخاصة. وجعلها موقعها الجغرافي وانفصالها النسبي عن آسيا تُشكِّل هوية منفصلة نسبيا تقتبس من الجميع دون أن تذوب في أحد، ولذا جاء التعلم من الغرب امتدادا ثقافيا وسياسيا لعادة قديمة راسخة. أما الصين، التي عاشت طويلا على تصور نفسها مركز العالم، فوجدت صعوبة أكبر في قبول التعلُّم من “البرابرة”.
على أن من الإنصاف التنبيه إلى تحفظ يثيره مؤرخون معاصرون، فاختزال المسألة في “أن اليابان قبلت الغرب في حين رفضته الصين” يخاطر بإعادة إنتاج صورة استشراقية قديمة عن شرق جامد وغرب ديناميكي. وللمسألة في الواقع زوايا أكثر تعددا، ومن هنا يحذر المؤرخ الاقتصادي روي بِن وونغ من رؤية المسار الغربي نموذجا كونيا يُقاس عليه نجاح الأمم وإخفاقها، فذلك يحرمها من استقلاليتها التاريخية ويفترض أنها كانت جامدة حتى أيقظها التماس مع الغرب.

والصين، في قراءته، لم تكن جامدة قط؛ فحتى القرن الثامن عشر شاركت أوروبا واليابان النمو ذاته، القائم على التخصص والتبادل التجاري، وشهدت ازدهارا في صناعاتها الريفية وأسواقها الإقليمية يوازي ما عرفته أوروبا، والفارق الذي اتضح لاحقا ارتبط أساسا باختلاف الأهداف والظروف. فبينما دفع التنافس العسكري بين دول أوروبا الصغيرة إلى بناء دول قومية مركزية تجبي الضرائب للحرب، ظلت الصين إمبراطورية مُوحَّدة تنشد الاستقرار الاجتماعي لمجتمع زراعي هائل؛ فلم تكن نخبتها معارضة للتقدم بإطلاق، وفق رأيه، بل محكومة بأجندة تستهدف إعادة إنتاج إمبراطورية زراعية مستقرة لا “دولة صناعية رأسمالية”. وهكذا يخلص وونغ إلى أن المسألة ليست جمودا وديناميكية، بل اختلافا في طبيعة المسار ومنطقه الداخلي، أي أن التعثر الصيني أمام الغرب يُقرأ اختلافا في الوجهة لا نقصا في الحيوية.
إلى جانب هذا التحفظ، يفسر الاقتصاديان دبين ما وجاريد روبين استجابة اليابان للضغط الغربي من زاوية أخرى، إذ يشيران إلى أن نظام اليابان الإقطاعي اللامركزي قبل “ميجي” منح بعض النخب المحلية، لا سيما في الجنوب حيث كان الاحتكاك بالغرب أسبق وأوضح، مرونة أوسع للمبادرة ودفع التغيير من القاعدة، ولم تلبث هذه الضغوط المحلية أن تحوَّلت إلى موجة أوسع انتهت بصعود نظام ميجي عام 1868. والمفارقة أن استفادة “ميجي” من هذه المرونة لم تمنع الدولة لاحقا من اعتماد مركزية حاسمة لإنجاز التحديث. فالمسألة لم تكن مركزية أو لامركزية بإطلاق، بل مسألة توقيت ووظيفة؛ فقد فتحت اللامركزية باب المبادرة في حين وفَّرت المركزية أداة التنفيذ.

مقابل ذلك، عانت الصين من مركزية هَرَمية ضاعفت أثر مبدأ “المعرفة الصينية أساسا”، وجعلتها أكثر ميلا إلى حفظ الوضع القائم، وهو ما يؤكده عزرا فوغل، إذ يرى أن الصين كانت مُثقلة بحجمها الهائل وتنوُّعها العرقي وبطء التواصل داخلها، حتى إن الرسالة الواحدة كانت تستغرق شهرا للوصول. لكن اللافت أن هذا الخيار تبدَّل تماما في الصين المعاصرة، التي صعدت بقوة منذ أواخر القرن العشرين، بعدما تخلت عن انغلاقها القديم منذ تبنَّت سياسة الإصلاح والانفتاح نهاية السبعينيات، التي نقلت الاقتصاد الصيني إلى الاندماج الواسع في التجارة العالمية وسلاسل التصنيع، وحقَّقت نموا سنويا مرتفعا لعقود، قبل تحوُّل المعرفة المستوردة ونقل التكنولوجيا والتقليد والهندسة العكسية، إلى أدوات انتقال من اقتصاد يعتمد على الكلفة الرخيصة والنسخ المقلدة إلى اقتصاد يراكم قدرات صناعية وتكنولوجية ومعرفة متزايدة.
وهنا يكتمل انعكاس التاريخ؛ فالصين التي أبطأها قديما ثقل المركز وحرج التعلم من الخارج، صعدت حديثا حين تعلمت الدرس الذي أتقنته اليابان قبلها بحوالي قرن.

حين شَكَر ماو اليابان
بعد استسلام اليابان عام 1945 وقيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، وجد البلدان نفسيهما على ضفتين متقابلتين من الانقسام العالمي. فقد دخلت اليابان المهزومة في فلك الولايات المتحدة، وقيَّدها تحالفها الأمني مع واشنطن، فاعترفت بحكومة تايبيه لا بكين. وفي عام 1952، وتحت الضغط الأمريكي، وقَّعت طوكيو معاهدة سلام منفصلة مع تايوان أنهت حالة الحرب بينهما رسميا، وأغلقت بذلك الباب أمام أيِّ اعتراف بالصين الشيوعية. وهكذا امتدت القطيعة الرسمية بين أكبر اقتصاديْن في آسيا؛ لا سفارات ولا علاقات سياسية، وإن ظلت قنوات التجارة والتبادل الثقافي تعمل بهدوء تحت شعار “فصل السياسة عن الاقتصاد”.
على أن واشنطن فاجأت حلفاءها في مطلع السبعينيات بانفتاحها المباغت على بكين مع زيارة نيكسون الشهيرة عام 1972، فانهار الأساس الذي قامت عليه سياسة طوكيو، التي وجدت نفسها مضطرة إلى اللحاق بالركب قبل أن تتجاوزها الأحداث. ومن رحم هذا التحوُّل ولدت زيارة تاناكا، الذي أدهشته عبارة ماو وشكر اليابان.
غير أن ماو بادر فأوضح أن عبارته تستند إلى حسبة براغماتية بسيطة؛ فلولا الغزو الياباني الذي دمَّر جانبا كبيرا من قوة الكومينتانغ، الحزب القومي الصيني بقيادة شيانغ كاي شيك، زعيم حكومة جمهورية الصين وخصم الشيوعيين في الحرب الأهلية، لما وجد حزب ماو تلك الفرصة النادرة للنجاة والتمدُّد في الريف الصيني والانطلاق من هناك لحكم الصين كلها. فقد أجبرت الحرب شيانغ على وقف حملاته ضد الشيوعيين كما استنزفت أفضل قواته، ومع تركز الوجود الياباني في المدن وقرب السكك الحديدية، انفتحت أمام الشيوعيين فرصة التمدد في المساحات الشاسعة للداخل الصيني، ما أدى إلى نمو قوتهم بشكل مذهل حتى تجاوزت مليون مقاتل استطاعوا حسم الحرب الأهلية عام 1949.
ويكشف الفحص الدقيق لسياسة ماو عن مفارقة لافتة؛ فمذبحة “نانجينغ” وقرن الإذلال، اللذين صارا اليوم في قلب الخطاب القومي الصيني، لم يكونا في صدارة الخطاب الرسمي والتعليمي للحزب الشيوعي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وصولا إلى حقبة السبعينيات. ويتناول المؤرخون جذر هذا التهميش قائلين إن شرعية ماو قامت على الصراع الطبقي لا على الهوية القومية. فالعدو في النظرة الماوية لم يكن اليابانيين كأمة، بل ملاك الأراضي والرأسماليين وعملاء الكومينتانغ؛ حتى النخبة العسكرية الإمبراطورية اليابانية كانت تُصوَّر بوصفها قوة استغلت الشعبين الصيني والياباني معا. وداخل هذا الإطار الطبقي العابر للحدود، لم تكن مذبحة قومية مثل نانجينغ تخدم السردية المطلوبة؛ فهي تذكر بزمن الضعف والغزو، بينما أراد الحزب أن يقدم الصين تحت راية الحزب بوصفها قوة ثورية منتصرة، لا أمة مغلوبة.
“بعد الحرب العالمية الثانية وجدت الصين واليابان نفسيهما على ضفتين متقابلتين من الانقسام العالمي”
هذا التطويع يتضح في تفصيلة دالة؛ ففي عام 1951، أُعيد تشييد نصب تذكاري بُني عام 1947 لإحياء ذكرى عمال محطة كهرباء قتلهم الجيش الياباني. وتضمن التجديد إزالة العبارات التي تشير إلى الجيش الياباني واستخدام صياغة تربط النصب بصراع الطبقات. هكذا أُعيدت كتابة الجريمة نفسها بمفردات طبقية، فاختفى الجاني القومي لتحل محله صورة الجاني الطبقي. وبالمنطق ذاته، روَّج الخط الرسمي لفكرة أن الطبقة العاملة اليابانية كانت ضحية نخبتها الرأسمالية والعسكرية، مثلها مثل العمال الصينيين. ومن هنا تبدو عبارة ماو عن شكر اليابان أقل شذوذا داخل منطقه؛ فإذا كان الشعب الياباني ضحية هو الآخر، وإذا كان الغزو قد ساعد، رغم فظاعته، في تحطيم النظام القديم وتمكين الثورة، أمكن تحويل الماضي من مادة للثأر إلى مادة للمصالحة السياسية.
وتؤكد الباحثة كارولين روز، المتخصصة في العلاقات الصينية اليابانية، أن هذه الواقعة لم تكن استثناء عارضا بل جزءا من نمط عام حكم تلك الحقبة. فقد بقيت الأبحاث حول مذبحة نانجينغ في الستينيات في خانة المعلومات السرية، لأن الحزب لم يشأ أن يسلط الضوء على زمن الضعف الذي يصرف الانتباه عن سردية التقدم الثوري. كما تشير روز إلى أن الخطاب الرسمي آنذاك كان يميز بدقة بين “حفنة من العسكريين اليابانيين”، بوصفهم جزءا من النظام الرأسمالي الإمبريالي، وبين الشعب الياباني الذي كان يُنظر إليه بوصفه ضحية وشريكا طبقيا محتملا، وهو التمييز الذي وفر للحزب غطاء نظريا يتسق مع سياسة استمالة طوكيو ومحاولة انتزاعها من فلك أمريكا في زمن الحرب الباردة. بل وتذكر روز أنه حتى في غياب العلاقات الدبلوماسية بين عاميْ 1952 و1972، استُخدمت مجموعات الصداقة والبعثات الثقافية لإدارة ما أسمته الصين “دبلوماسية الشعب”، وهي القنوات التي مهدت الطريق لاحقا للتطبيع.

اختراع العدو
بيد أن هذا الموقف القائم على الصراع الطبقي تعرض لتصدُّع عميق مطلع التسعينيات بفعل حدثين رئيسيين. ففي الداخل، اندلعت احتجاجات ساحة “تيانانمن” عام 1989، وهي تظاهرات طلابية حاشدة واجهتها الدولة بقوة. وفي الخارج، تداعى المعسكر الاشتراكي مع انهيار جدار برلين، ثم تفكك الاتحاد السوفياتي؛ فإذا بالنموذج الأيديولوجي الذي استندت إليه الصين الشيوعية ينهار في موطنه الأصلي.
والمفارقة أن الاتحاد السوفياتي شكَّل للصين وجهيْن متناقضين؛ فهو مصدر الأيديولوجية الماركسية اللينينية التي بُنيت عليها الدولة، وهو في الوقت نفسه، على المستوى الجيوسياسي، أحد خصومها منذ منتصف الستينيات. فبعد عقد من التحالف الوثيق في الخمسينيات، انقلبت العلاقة إلى انشقاق أيديولوجي ثم عداء مفتوح، بلغ ذروته باشتباك عسكري حدودي على نهر أوسوري عام 1969، كاد يجر البلدين إلى حرب واسعة. ومنذ ذلك الحين، صارت موسكو، لا واشنطن ولا طوكيو، التهديد الوجودي الأول في وعي بكين، بل المحرك الذي دفع ماو أصلا إلى الانفتاح على الولايات المتحدة واليابان مطلع السبعينيات، بحثا عن موازنة للخطر السوفياتي.
رغم ذلك، فإن زوال الخطر السوفياتي أفقد الصينيين واحدا من أهم أسباب الوحدة خلف النظام والحزب. وأمام هذا التغيير المثلث: الاحتجاجات الداخلية، والأيديولوجيا المنهارة في موطنها السوفياتي، والعدو الخارجي جامع تلاشى فجأة؛ أدركت قيادة الحزب أنه لا بد من رابط جديد يُوحِّد الصينيين، وذاكرة قادرة على تجديد الرابطة الوطنية. وهنا عادت اليابان إلى الواجهة؛ لا بوصفها الشريك البراغماتي الذي شكره ماو، بل بوصفها الجاني التاريخي الذي يمكن استدعاء ماضيه لتعبئة الأمة في الحاضر.
“من خلال حملة التربية الوطنية، أُعيد بناء سردية الحرب مع اليابان في المناهج والمتاحف والأفلام”
من هنا أُطلقت حملة “التربية الوطنية”؛ حيث أُعيدت كتابة المناهج الدراسية على نحو تراجع معه الصراع الطبقي لصالح سردية الصراع القومي ضد الغزاة الأجانب، وفي القلب منهم اليابان، بوصفها مصدر أعمق جراح “قرن الإذلال”. وبذلك، أسست الدولة ما يسميه الباحث تشنغ وانغ عقدة “الاصطفاء والأسطورة والصدمة”؛ إذ أُعيد تموضع الحزب الشيوعي، لا بوصفه قائد ثورة البروليتاريا فحسب، بل بوصفه المُخلِّص الوحيد للأمة من إذلالها، والضامن الأخير لكرامتها. وبموجب هذا التحول أُعيد بناء سردية الحرب مع اليابان في المناهج والمتاحف والأفلام.
غير أن هذه الحملة لم تولد من فراغ، كما أوضح جيف كينغستون، مدير الدراسات الآسيوية بجامعة تمبل والمتخصص في سياسات الذاكرة بشرق آسيا، إذ ترافقت مع لحظة احتكاك مع اليابان. ويقول كينغستون إن شرارة “تسييس الذاكرة” اندلعت مع أزمة الكتب المدرسية عام 1982، حين أفادت تقارير إعلامية يابانية بأن وزارة التعليم وجَّهت ناشري الكتب المدرسية إلى استبدال كلمة “غزو” بكلمة “تقدُّم” في وصف التوغل الياباني في الصين. ولا يزال هذا التطور يُستحضر بوصفه لحظة مفصلية في تدهور العلاقات مطلع الثمانينيات رغم الجدل اللاحق حول دقته وتفسيره.
يد تصافح ويد تزرع اللغم
كشفت العقود الثلاثة التالية أكثر من مفارقة لافتة في العلاقات، أولها أن البلدين يتنازعان على التاريخ ويتشابكان في الاقتصاد. على أن ذلك لم يكن وليد مرحلة ما بعد التطبيع، فقد شكَّلت “دبلوماسية الشعب” ذراع تبادل محسوب قبل عام 1972، حتى بدا وصف العلاقة بـ”سياسة باردة واقتصاد حار” أدق ما يلخصها.
رسميا، كانت العلاقات تتجه تدريجيا إلى دفء محسوب. فبعد أن انضمت طوكيو إلى عقوبات الغرب على بكين عقب “تيانانمن” عام 1989، عادت لتدرك أن عزل الصين غير مجد واستأنفت التعامل معها. وبلغ هذا المسار ذروته بزيارة الإمبراطور أكيهيتو الصين عام 1992، في الذكرى العشرين لتطبيع العلاقات بين البلدين، ثم باعتذار رئيس الوزراء تومي إتشي موراياما عام 1995 عن أفعال اليابان في الحرب.
كان ذلك واحدا من التناقضات الصارخة في العلاقة، لأن الدولة الصينية كانت تصافح طوكيو رسميا بيد، وترعى في الوقت نفسه جيلا جديدا في الداخل يحمل العداء لليابان عبر حملة “التربية الوطنية”. ومن هذا التناقض خرجت لاحقا موجات الغضب القومي، حين أفلتت الذاكرة المُعبأة من يد الدولة في احتجاجات 2005، ثم في أزمات سينكاكو/دياويو وما بعدها.

مع تولّي جونيتشيرو كويزومي رئاسة وزراء اليابان عام 2001، وانتظامه في زيارة معبد ياسوكوني بشكل شبه سنوي، اشتعلت واحدة من أكثر موجات الغضب الصيني حدة عام 2005. ومعبد ياسوكوني ضريح لإحياء ذكرى ضحايا الحروب اليابانية بُني في منتصف القرن التاسع عشر، لكن قائمة أسماء الضحايا التي يُخلِّدها اتسعت بعد ذلك لتشمل الحروب اللاحقة، وشملت مجرمي حرب من الجيش الياباني ارتكبوا جرائم في الحرب العالمية الثانية بحق الصينيين. وقد رأت بكين في الزيارة تمجيدا للعسكرية اليابانية وتحديا للنظام الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبرت وزارة الخارجية الصينية أنها آذت مشاعر الشعب الصيني وقوَّضت الثقة المتبادلة بين البلدين.
غير أن انفجار عام 2005 لم يكن نتيجة زيارات كويزومي وحدها بقدر ما كان حصيلة تراكم. ففي الوقت ذاته، كانت اليابان تسعى إلى مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، بينما رأت قطاعات واسعة في الصين أن دولة لم تحسم علاقتها بماضيها الدموي لا يحق لها أن تطالب بدور عالمي أكبر. ويصف فوغل هذه الفترة بـ”أدنى مستوى للعلاقات منذ التطبيع”. وبحلول نهاية العام، أعلن مسؤولون صينيون أن عقد قمم ثنائية مع كويزومي بات مستحيلا ما دام متمسكا بزياراته إلى ياسوكوني.
ولم تلبث الأزمة أن وصلت إلى الشارع؛ إذ خرجت الاحتجاجات في عشرات المدن الصينية، وفي بكين وحدها حُشد أكثر من عشرة آلاف طالب للتظاهر، وتعرضت ممتلكات يابانية للتخريب، ورُشق منزل السفير الياباني بالحجارة والبلاط، كما هوجمت القنصلية اليابانية في شنغهاي. وهكذا تحوَّلت القومية الشعبية، التي غذتها التربية الوطنية، من أداة تعبئة تحت سيطرة الدولة إلى قوة ضغط. فما بدأ بوصفه ذاكرة موجهة ضد ماضي اليابان، صار في 2005 اعتراضا على حاضرها أيضا.

منعطف 2010.. عودة لتبادل الأدوار
هذا الاعتراض على حصول اليابان على مقعد دائم في مجلس الأمن ومحاولة تحجيم دورها الدولي عبر استخدام الماضي، سرعان ما وجد سندا واقعيا عام 2010، بعدما أعلنت طوكيو أن حجم الاقتصاد الصيني تجاوز نظيره الياباني في الربع الثاني من ذلك العام، بما أنهى قرابة قرن من التفوق الاقتصادي الياباني في آسيا، ونقل الصين إلى مرتبة القوة الاقتصادية الثانية عالميا.
وبعد أسابيع قليلة جاء اختبار هذه القوة حين اصطدم قارب صيد صيني بسفن تابعة لخفر السواحل الياباني قرب جزر سينكاكو/دياويو، فاحتجزت طوكيو ربَّانه، وردت بكين بسلسلة ضغوط سياسية واقتصادية أوقفت معها بصورة غير رسمية صادرات المعادن النادرة إلى اليابان، وهي مواد حيوية لصناعاتها الإلكترونية، وكانت اليابان تعتمد على الصين في نحو 90% من حاجتها منها آنذاك. كما احتجزت السلطات الصينية أربعة موظفين من شركة “فوجيتا” اليابانية بتهمة دخول منطقة عسكرية محظورة في إقليم “خِبي”، أثناء عملهم ضمن مشروع لإزالة أسلحة كيميائية خلَّفها الجيش الإمبراطوري الياباني في الصين.
ولم يبق النزاع محصورا في القنوات الثنائية؛ فقد طالب رئيس الوزراء الصيني تدخل واشنطن للإفراج الفوري وغير المشروط عن الربان، بينما التقى وزير الخارجية الياباني نظيرته الأمريكية هيلاري كلينتون على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط تأكيدات أمريكية بالوفاء بالتزامات التحالف مع اليابان. وفي النهاية، أفرجت طوكيو عن الربان دون محاكمة لتجنب التصعيد، لكن القرار ترك مرارة واسعة في الداخل الياباني؛ إذ بدا لكثيرين كأنه انحناء أمام ضغط صيني صريح. ومنذ تلك اللحظة، صار التشابك الاقتصادي مع الصين يُقرأ في طوكيو على أنه هشاشة إستراتيجية، وبندقية مصوبة باستمرار نحو اليابان.
“صار التشابك الاقتصادي مع الصين يُقرأ في طوكيو على أنه هشاشة إستراتيجية”
ولكن استدعاء الطرفين واشنطن خلال الأزمة، لا يعني أن الولايات المتحدة حضرت فجأة إلى علاقة كانت ثنائية صافية؛ إذ إن التحالف الأمني الأمريكي الياباني قائم منذ مطلع الخمسينيات، وهو عنصر بنيوي في حسابات الإقليم. والصين، رغم عدائها للقواعد الأمريكية، كانت ترى في التحالف الأمريكي الياباني “سدادة” تمنع انبعاث العسكرية اليابانية من جديد. أما طوكيو، فقد ازدادت أهمية المظلة الأمريكية لها مع صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية وتقنية، حتى صارت ضمانتها الأساسية في مواجهة الضغط الصيني.
من جهة أخرى، يُحفِّز هذا الوضع مخاوف اليابان من تخلي واشنطن عنها في لحظة حاسمة، أو أن تبرم تفاهما مع بكين على حسابها؛ لا سيَّما مع تقلب الالتزام الأمريكي في السنوات الأخيرة. ويدفع ذلك اليابان إلى الاقتراب مما ظل محظورا عليها لعقود، فالدولة التي كبَّلت نفسها بعد الحرب بدستور سلمي يحصر القوة في الدفاع عن النفس، بدأت تتخفف تدريجيا من تلك القيود، تحت ضغط الخوف من الصين، وبتشجيع أمريكي يريد منها حمل عبء أمني أكبر. ولذا رفعت طوكيو إنفاقها الدفاعي إلى مستويات قياسية، وتبنت عقيدة تتيح امتلاك قدرة الضربة المضادة؛ أي القدرة على ضرب أهداف بعيدة خارج أراضيها إذا تعرضت لهجوم. وبذلك بدأت تكسر عمليا أحد أهم محرمات ما بعد الحرب، وهي الاكتفاء بالدفاع المحض. وهنا يكمن تناقض آخر؛ فالضغط الصيني الذي يُراد منه ردع اليابان، هو نفسه ما يدفعها إلى إيقاظ قوتها العسكرية النائمة.
بكين، التي لا تريد عودة القوة العسكرية اليابانية، قد تكون بصعودها أحد العوامل التي تستدعي هذه العودة. ومن ثمَّ تبدو العلاقة الصينية اليابانية علاقة تناقضات لا تستقر على حال؛ فبين شكر ماو لغزو خلَّف عشرين مليون قتيل، وعبارة تاكايتشي التي أشعلت أزمة عام 2025 بكلمة واحدة، يمتد تاريخ كامل من المفارقات فيه تلميذ يعبر البحر ليتعلم من أستاذه قرونا قبل أن يحتله بنفسه، ومذبحة في “نانجينغ” صارت أيقونة تُلقَّن في المدارس الصينية.
في غضون ذلك، يظل الصين واليابان اقتصاديْن متشابكيْن إلى حد العناق يتبادل أصحابهما التهديدات السياسية. وفي حين تملك طوكيو الحليف الخارجي، والذي يُطمئنها ويُقلقها في آن واحد، ترى بكين في واشنطن الخطر الأكبر، والضمانة الأهم لنظام ما بعد 1945 في الوقت نفسه، بسبب تحجيمها عودة العسكرية اليابانية بالكامل.
تبدو هذه التناقضات متنافرة، لكنها محكومة في النهاية بناظم واحد: المصلحة العُليا للبلديْن؛ فهي التي تطفئ الذاكرة حين يلزم النسيان، وتشعلها حين يصبح الماضي أداة حاسمة في معركة الحاضر.