Skip to content

فوضى الرغبة: تجليات البيدوفيلية في الثقافة الفرنسية | سياسة

  • by


في 30 يناير/كانون الثاني 2026 نشرت وزارة العدل الأميركية أكثر من 3 ملايين صفحة من ملفات جيفري إبستين. وكان رجل المال الأميركي قد أُدين عام 2008 باستدراج قاصر لممارسة الدعارة، ثم مات في زنزانته بنيويورك عام 2019 وهو ينتظر محاكمته بتهمة الاتجار الجنسي بقاصرات. وكشفت الملفات شبكة علاقات امتدت من السياسة والمال إلى الجامعات والفنون، نُسج كثير منها في جزيرته الخاصة بجزر العذراء الأميركية.

تعاملت الصحافة الفرنسية مع القضية أول الأمر على أنها فضيحة “أنجلوسكسونية” تخص الأميركيين والبريطانيين. ثم توزع جزء من النقاش بين فرضيتين: الأولى تجعل إبستين عميلا للموساد الإسرائيلي، وقد رأت فيها منظمات يهودية أميركية، مثل رابطة مكافحة التشهير، مدخلا لنظريات معادية للسامية، وتلقى صحفي في قناة “بي إف إم تي في” رسائل معادية للسامية بعد حديثه عن الملفات. والثانية تجعله أداة للاستخبارات الروسية، وقد أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك فتح تحقيق في هذا الاحتمال دون أن يقدم دليلا، فسخر منه الكرملين.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

أما الموقف الرسمي فلخّصه الرئيس إيمانويل ماكرون في 9 فبراير/شباط، حين قال إن القضية تخص الولايات المتحدة أساسا، وإن على القضاء الأميركي أن يقوم بعمله. وحذّر من نظريات المؤامرة، وكان لتحذيره ما يسنده؛ إذ رصدت وكالة “فيجينوم” الحكومية حملة تضليل مرتبطة بروسيا نسبت إليه وثائق مزورة لا وجود لها في الملفات.

الشق الفرنسي

لم يكن إبستين زائرا عابرا لباريس، فقد اشترى عام 2001 شقة مساحتها نحو 800 متر مربع في جادة فوش، وكان يقيم فيها مرات عدة في السنة حتى اعتقاله. وحين مات في 10 أغسطس/آب 2019، لم تفتش الشرطة الفرنسية الشقة إلا في 23 سبتمبر/أيلول، أي بعد 6 أسابيع. ثم توقف التحقيق الفرنسي عمليا بموت شريكه جان لوك برونيل، فطالبت جمعية “البراءة في خطر” بإعادة فتحه.

صور ملتقطة في باريس من ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية في 30 يناير/كانون الثاني 2026، وتضمنت إشارات إلى شخصيات عامة كثيرة
صور ملتقطة في باريس من ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية في 30 يناير/كانون الثاني 2026، وتضمنت إشارات إلى شخصيات عامة كثيرة (الفرنسية)

كان برونيل، مؤسس وكالة “كارين موديلز” لعارضات الأزياء، قد اعتُقل في ديسمبر/كانون الأول 2020 بتهم اغتصاب قاصرات، ثم وُجد مشنوقا في زنزانته في فبراير/شباط 2022، فأُغلق ملفه في يوليو/تموز 2023 دون محاكمة. وفي 14 فبراير/شباط 2026 أعلنت نيابة باريس إعادة تحليل الملف كاملا، وقالت إن برونيل كان يغري فتيات من أسر فقيرة بفرص للعمل عارضات أزياء، وإنه مارس الجنس مع قاصرات في الولايات المتحدة وجزر العذراء وباريس وجنوب فرنسا. كما عيّنت النيابة قضاة مرجعيين لفحص كل ما يخص الفرنسيين في الملفات.

ورد اسم جاك لانغ، وزير الثقافة والتعليم الأسبق، في الملفات 673 مرة. وبحسب الصحافة الفرنسية، طلب لانغ من إبستين مرارا أموالا وخدمات، منها استعمال سيارته وطائرته الخاصة، وأقر بنفسه بأنه طلب منه نحو 58 ألف دولار دُفعت لجمعية تنتج فيلما عن “سنوات لانغ وميتران”. وكشف موقع “ميديابارت” أن ابنته الكبرى كارولين تملك نصف أسهم شركة خارجية (أوفشور) أسسها إبستين عام 2016 في جزر العذراء، وأن اسمها ورد في وصيته بمبلغ 5 ملايين دولار.

استقالت كارولين لانغ في 2 فبراير/شباط من منصب المندوبة العامة لنقابة الإنتاج المستقل، وفي السادس منه فتحت النيابة المالية الوطنية تحقيقا أوليا معها ومع أبيها بشبهة غسل أموال متأتية من تهرب ضريبي مشدد. وبعد يوم واحد استقال لانغ من رئاسة معهد العالم العربي في باريس، الذي ترأسه منذ 2013، تحت ضغط الإليزيه. ونفى لانغ التهم كلها، وقال إنه لم يكن يعلم شيئا عن جرائم إبستين، ولا تشير الملفات إلى تورطه أو تورط ابنته في الجرائم الجنسية.

ثم ظهر اسم الدبلوماسي فابريس عيدان، الذي عمل منتدبا في الأمم المتحدة بين عامي 2006 و2013 مستشارا للدبلوماسي النرويجي تيري رود لارسن. وتُظهر رسائل اطلعت عليها وكالة رويترز أنه أرسل إلى إبستين بين عامي 2010 و2016 إحاطات لمجلس الأمن ووثائق أممية سرية. ونقل موقع “ميديابارت” أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي (إف بي آي) أبلغ الأمم المتحدة عام 2013 أن عيدان تصفح مواقع تعرض اعتداءات جنسية على أطفال. وقال جيرار آرو، سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة آنذاك، إنه أمر بإعادته إلى باريس فور علمه بالتقرير، وكتب “ميديابارت” أن عيدان غادر الولايات المتحدة خفية عبر كندا.

لكن عيدان لم يُلاحَق، وواصل عمله في منظمة اليونسكو ثم في شركة “إنجي” للطاقة. ووصف ماكرون بقاءه في الخدمة بأنه “غير مقبول”، وأحال وزير الخارجية جان نويل بارو القضية إلى النيابة. أما محاميته فنفت التهم كلها، وقالت إن التحقيقات الأميركية والفرنسية السابقة لم تجد ما يستدعي ملاحقته.

وحين سقط لانغ، ذكّرت الصحافة الفرنسية بتفصيل قديم: اسمه كان بين موقّعي عريضة نُشرت عام 1977 دفاعا عن رجال اتُّهموا بالاعتداء الجنسي على قاصرين. وهذا التفصيل هو موضوع المقال؛ فقضية إبستين في فرنسا حلقة أخيرة في تاريخ أطول، منحت فيه نخبة ثقافية وسياسية غطاء فكريا لاستغلال الأطفال جنسيا، وحمت أصحابه عقودا قبل أن تأتي المحاسبة متأخرة.

من فيرساي إلى “الباليه الوردي”

لم تعرف فرنسا التشدد الأخلاقي الذي ارتبط في بريطانيا بعهد الملكة فيكتوريا، أو لم تعرفه بالدرجة نفسها، وظلت الحياة الجنسية لأصحاب السلطة فيها شأنا يُتسامح معه منذ عهد الملكية. فقد بنى لويس الرابع عشر قصر فيرساي وألزم كبار النبلاء بالإقامة فيه ليبقوا تحت عينه، وعاش علنا مع عشيقات رسميات إلى جانب زوجته الملكة. واستمر هذا التسامح في الجمهورية الثالثة، ففي فبراير/شباط 1899 مات الرئيس فيليكس فور في قصر الإليزيه أثناء لقائه بعشيقته مارغريت ستاينهيل.

وصارت باريس في “الحقبة الجميلة” عاصمة اللذة في أوروبا. وكان ولي العهد البريطاني، الذي سيصبح الملك إدوارد السابع، زبونا دائما لأشهر بيوت الدعارة الباريسية “لو شابانيه”، وكانت له فيه غرفة تحمل شعاره. وأدارت المومسات الراقيات صالونات يرتادها الساسة والأمراء، وهو العالم الذي سمّاه ألكسندر دوما الابن “نصف العالم” في مسرحيته الشهيرة عام 1855.

هذه حكايات عن بالغين، ولا صلة لها في ذاتها بالاعتداء على الأطفال، لكنها تفسر عادة قديمة في الصحافة والسياسة الفرنسيتين ترى الحياة الجنسية للأقوياء شأنا خاصا لا يُسأل عنه. وهذه العادة نفسها هي التي ستحمي لاحقا من تجاوزوا حدود البالغين.

ظهر ذلك في فضيحة “الباليه الوردي” التي كشفتها الصحافة في يناير/كانون الثاني 1959. ففي جناح “لو بوتار” قرب باريس، وهو مبنى تملكه الجمعية الوطنية، كانت فتيات قاصرات يقدمن عروضا راقصة لرجال من عالمي السياسة والمجتمع، قيل إنها كانت تنتهي بحفلات جنسية. وكانت أصغر الضحايا في الرابعة عشرة بحسب المؤرخة الأميركية ميغان براون، وفي الثانية عشرة بحسب روايات أخرى.

وكان بين المتهمين أندريه لو تروكيه، رئيس الجمعية الوطنية حتى قيام الجمهورية الخامسة أواخر 1958، الذي أقنع أمهات بعض الفتيات بأن يأتمِنّه عليهن، بحجة أنه سيفتح لهن أبواب المستقبل. وحوكم 23 شخصا أُدين منهم 22، وحُكم على لو تروكيه بالسجن سنة مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها 3 آلاف فرنك. وتناولت الصحافة القضية يومها بخفة، وسخرت من شيوخ يطلبون السلوى عند فتيات صغيرات.

جيد وشمال أفريقيا

أندريه جيد (1869-1951) من كبار كتّاب النثر الفرنسي في القرن العشرين، نال جائزة نوبل للآداب عام 1947، وما تزال رواياته تُدرَّس في المدارس والجامعات. وفي كتابه “كوريدون”، الذي كتبه في العقد الثاني من القرن العشرين ونشره علنا عام 1924، دافع في أربع محاورات على الطريقة السقراطية عن علاقة الرجال بالفتيان، مستندا إلى النموذج الإغريقي.

أندريه جيد، عام 1893 (ويكيميديا)
أندريه جيد، عام 1893 (ويكيميديا)

وفي سيرته الذاتية “إن لم تمت الحبة” (1926)، روى جيد علاقاته بفتيان في تونس والجزائر، وكانتا آنذاك تحت الحكم الفرنسي. وروى في الكتاب نفسه كيف رتّب له أوسكار وايلد في الجزائر عام 1895 لقاء مع صبي يعزف الناي، وقدّم هذه التجارب بوصفها طريقه إلى التحرر من تربيته البروتستانتية الصارمة.

ما يرويه جيد بلغته الأنيقة يسمى اليوم سياحة جنسية: كاتب من المركز الاستعماري يجد في أطفال المستعمرات ما لا يجرؤ عليه في بلده، ثم يكتب عنه أدبا يُحتفى به.

ولشمال أفريقيا مكان في حكاية أحدث. ففي 30 مايو/أيار 2011 قال لوك فيري، وزير التربية الأسبق، على قناة “كانال بلوس” إن وزيرا سابقا ضُبط في مراكش في حفلة جنسية مع صبية صغار، وإنه سمع القصة من رئيس الوزراء نفسه. ورفض فيري تسمية الوزير، قائلا إنه سيُدان بتهمة التشهير إن فعل.

وفتحت نيابة باريس تحقيقا أوليا واستمعت إلى فيري شاهدا، فأشار إلى تحقيق قديم لجهاز الاستخبارات العامة الفرنسية دون أن يسمي أحدا، وفي المغرب أمر وزير العدل بفتح تحقيق في مراكش. وكانت مجلة “لكسبريس” قد ربطت هذه الشائعات باسم جاك لانغ منذ عام 2005، وتحدث إيف برتران، المدير الأسبق للاستخبارات العامة، في الإذاعة عن تورط وزير سابق في القضية دون أن يسميه. أما لانغ فقال إنه ليس المقصود، ولم تُوجَّه إليه أي تهمة.

من الصراع الطبقي إلى اللذة بلا قيود

بدأت احتجاجات مايو/أيار 1968 في الجامعات، وسبقها توتر في جامعة نانتير كان من أسبابه منع الطلاب من دخول مساكن الطالبات، وبرز فيه دانيال كوهن بنديت، المولود في فرنسا لأبوين ألمانيين والحامل للجنسية الألمانية. وأُغلقت جامعة نانتير في 2 مايو/أيار، واقتحمت الشرطة جامعة السوربون في اليوم التالي، فاتسعت الاحتجاجات ثم تحولت إلى إضراب عام شلّ البلاد. أما منع كوهن بنديت من دخول فرنسا فجاء في الأسبوع الثالث من الشهر، ورد عليه المتظاهرون بشعار “كلنا يهود ألمان”.

لم يلتحم الطلاب بالعمال كما أرادوا، فقد نظر الحزب الشيوعي والنقابات بريبة إلى أبناء الطبقة الوسطى القادمين من الجامعات. وفاوضت حكومة جورج بومبيدو النقابات في ما عُرف باتفاقات غرونيل (25-27 مايو/أيار)، التي رفعت الأجور رفعا كبيرا، وإن رفضها عمال مصانع “رونو” في البداية. وفي 29 مايو/أيار اختفى الجنرال شارل ديغول ساعات، ثم تبين أنه طار إلى بادن بادن في ألمانيا حيث تأكد من دعم الجيش. وعاد في اليوم التالي فحلّ الجمعية الوطنية، وخرج أنصاره في مظاهرة كبيرة في جادة الشانزليزيه، ثم فاز الديغوليون فوزا ساحقا في انتخابات يونيو/حزيران.

هُزم اليسار الطلابي سياسيا، فانتقل كثير من رموزه إلى قضايا المجتمع حيث بدا التغيير أقرب، كحقوق النساء والأقليات الجنسية وأحوال السجون. وقد أباح قانون “نوفيرت” حبوب منع الحمل عام 1967، ثم أباح قانون “فيل” الإجهاض عام 1975، بعد أن كان قانون صدر عام 1920، عقب الحرب العالمية الأولى، قد جرّم الإجهاض والدعاية لمنع الحمل سعيا لرفع أعداد المواليد.

وفي ملف الأقليات الجنسية وقعت الانحرافات الأخطر. فقد ألغت فرنسا تجريم المثلية منذ عام 1791، لكن حكومة فيشي وضعت عام 1942 سنا للرضا في العلاقات المثلية أعلى منه في غيرها، وبقي هذا التمييز قائما بصيغ مختلفة حتى عام 1982. وطالب النشطاء بإلغائه، غير أن بعضهم ذهب أبعد فطالب بخفض سن الرضا إلى ما دون الخامسة عشرة، ونظّر آخرون صراحة لما سموه “حق” الأطفال في العلاقة الجنسية مع البالغين.

في 26 يناير/كانون الثاني 1977 نشرت صحيفة “لوموند” عريضة بعنوان “بشأن محاكمة”، كتبها الروائي غابرييل ماتزنيف ووقّعها 69 شخصا. ودافعت العريضة عن ثلاثة رجال قضوا أكثر من 3 سنوات في الحبس الاحتياطي بتهمة “الاعتداء على الحياء دون عنف” على قاصرين دون الخامسة عشرة، ورأى الموقعون أن الأطفال وافقوا ولم يتعرضوا لعنف، وأن الحبس الطويل عقوبة مفرطة.

ووقّع العريضة جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وجيل دولوز وفيليكس غواتاري ورولان بارت ولويس أراغون وفيليب سولرس، كما وقّعها رجلان سيصيران وزيرين: برنار كوشنير، وجاك لانغ الذي وصف توقيعه عام 2021 بأنه “حماقة”.

وكان ميشيل فوكو من أبرز المدافعين عن الفكرة نفسها، إذ شارك عام 1977 في التحضير لرسالة مفتوحة إلى لجنة مراجعة قانون العقوبات، وفي 4 أبريل/نيسان 1978 بثت إذاعة “فرانس كولتور” حوارا بينه وبين غي هوكنغهم وجان دانيه، دافعوا فيه عن رفع يد القانون عن هذه العلاقات.

ميشيل فوكو دعا لإلغاء تجريم العلاقات الجنسية مع الأطفال بحجّة أنها علاقات رضائية
ميشيل فوكو دعا لإلغاء تجريم العلاقات الجنسية مع الأطفال بحجّة أنها علاقات رضائية (مواقع التواصل الاجتماعي)

وفي عام 1979 نشرت صحيفة “ليبراسيون” عريضة أخرى دفاعا عن رجل اتُّهم بالاعتداء على فتيات تتراوح أعمارهن بين 6 و12 عاما. وكانت “ليبراسيون”، التي شارك سارتر في تأسيسها عام 1973، تنشر في تلك السنوات إعلانات مبوبة يطلب أصحابها صراحة علاقات مع أطفال، وقد عادت الصحيفة نفسها إلى تلك المرحلة في مقال للصحفي سورج شالاندون نُشر في 23 فبراير/شباط 2001.

لا يعني توقيع عريضة أن صاحبها ارتكب جريمة، لكن العرائض تكشف المناخ السائد آنذاك؛ فقد رأى وسط ثقافي واسع في الدفاع عن هذه العلاقات تحررا، فصمت الضحايا عقودا، ومن تكلم منهم قوبل بالشك. وتعاظم نفوذ هذا الوسط في السنوات التالية، فصار مفكروه نجوما في الجامعات الأميركية، وعاد اليسار إلى الحكم مع فرانسوا ميتران عام 1981، وتولى بعض الموقعين حقائب وزارية.

فيلسوف اغتصاب الأطفال

كان رينيه شيرر (1922-2023) أستاذا للفلسفة في جامعة باريس الثامنة في فانسان، وأحد وجوه ما بعد 1968. واشتغل على الظاهراتية والاشتراكية الطوباوية ونقد التعليم الحديث، ثم انصرف منذ السبعينيات إلى رغبة الأطفال. وفي كتابه “إميل المنحرف” (1974)، وفي أعمال لاحقة كتبها مع غي هوكنغهم، قدّم علاقة الأطفال بالبالغين على أنها غير ضارة، ودافع عما سماه حريتهم الجنسية.

وانتشرت في فرنسا بعد عام 1968 “أماكن الحياة”، وهي تجمعات تربوية بديلة يديرها مربّون مناهضون للمؤسسات التقليدية، ويستقبل بعضها أطفالا ومراهقين يعانون صعوبات، وفق مبادئ تيار “مناهضة الطب النفسي”. وأشهرها “الكورال”، الذي أسسه منتصف السبعينيات المربّي كلود سيغالا وزوجته ماري في مزرعة قديمة ببلدة إيمارغ جنوبي فرنسا، وكانت مؤسسات الرعاية الحكومية ترسل إليه أطفالا مصابين بالتوحد أو باضطرابات نفسية، وآخرين مهددين بالانحراف.

الفيلسوف والشاعر الفرنسي رينيه شيرر (مواقع التواصل الاجتماعي)
الفيلسوف والشاعر الفرنسي رينيه شيرر (مواقع التواصل الاجتماعي)

وفي خريف 1982 لجأ أطفال من “الكورال” إلى جارة وتحدثوا عن ممارسات جنسية مع البالغين، فاتُّهم سيغالا وعدد من المربين. وكشفت الصحافة يومها أن طفلا في العاشرة من نزلاء المكان كان قد عُثر عليه ميتا قبل سنوات ورأسه مغمور في دلو من ماء الجافيل، وأن الفحص الطبي أثبت تعرضه لاعتداء جنسي وكسرا في فقرات عنقه. واشتُبه في شاب واعتُقل، ثم حُفظ الملف دون محاكمة، وعاد الشاب بعد إقامة في مصحة نفسية ليعيش في المكان نفسه بموافقة سيغالا.

واتسعت القضية حين وجّه شاب يُدعى جان كلود كريف، أقام في “الكورال” أسابيع، اتهامات طالت شخصيات عامة. فوُضع شيرر تحت المراقبة القضائية بتهمة تحريض قاصرين على الفجور ثم بُرّئ عند المواجهة، وورد اسم ماتزنيف دون أن يُتهم. وكان جاك لانغ، وزير الثقافة آنذاك، بين من سمّاهم كريف، لكن الشرطة خلصت إلى براءة الشخصيات العامة، واعتُقل شقيق كريف بتهمة محاولة ابتزاز لانغ، فيما تراجع كريف عن جزء من أقواله ثم أُدين بتزوير محضر للشرطة. وفي المحاكمة أُدين 7 من المتهمين العشرة، وحُكم على سيغالا بالسجن 3 سنوات، منها سنة مع وقف التنفيذ، بتهمة الاعتداء على الحياء دون عنف على قاصرين دون الخامسة عشرة.

وفي ألمانيا، عمل دانيال كوهن بنديت بين عامي 1972 و1974 مربّيا في روضة أطفال بديلة بفرانكفورت. ووصف في كتابه “البازار الكبير” (1975) لحظات جسدية مع أطفال الروضة، الذين كانت أعمارهم بين عامين و5 أعوام. وفي 23 أبريل/نيسان 1982 قال في برنامج “أبوستروف” على التلفزيون الفرنسي إن جنسانية الطفل “رائعة”، وروى أن طفلة في الخامسة والنصف بدأت تخلع ملابسه.

وحين أعادت الصحفية الألمانية بيتينا رول نشر هذه النصوص عام 2001، نفى كوهن بنديت أن تكون قد وصفت وقائع حقيقية، وعزاها إلى “حاجة مرضية” إلى الاستفزاز، وقال إن هذه السطور صارت لا تُحتمل. ولم توجَّه إليه أي تهمة، وصار قياديا في حزب الخضر ونائبا في البرلمان الأوروبي بين عامي 1994 و2014. وفي يونيو/حزيران 2026 ألغى لقاء في مدينة مونبلييه لتقديم كتابه الجديد، بعد عريضة احتجاج وقّعها أكثر من 7200 شخص.

كاتب العريضة

وُلد غابرييل ماتزنيف عام 1936 في نويي سور سين قرب باريس لأسرة روسية مهاجرة. ونشر عام 1974 كتابا بعنوان “من هم دون السادسة عشرة”، وكتب نص عريضة “لوموند” عام 1977، وورد اسمه في قضية “الكورال” دون أن يُتهم بشكل مباشر.

وفي عام 1990 نشر يومياته عن عامي 1983 و1984، وفيها يروي علاقاته بمراهقات ومراهقين ورحلات إلى مانيلا. واستضافه برنار بيفو في برنامج “أبوستروف” على القناة العامة، فواجهته الكاتبة الكندية دونيز بومبارديه، وحدها تقريبا، وقالت إنه لو لم يكن كاتبا مشهورا لكان في السجن. وضحك الحاضرون، ثم سخرت منها جوزيان سافينيو، مسؤولة القسم الأدبي في “لوموند”، ورمتها بضيق الأفق. أما ماتزنيف فواصل حياته الأدبية، ونال جائزة “رونودو” للمقالة عام 2013.

وفي يناير/كانون الثاني 2020 نشرت فانيسا سبرينغورا كتاب “الرضا”، وروت فيه أنها التقت ماتزنيف وهي في الثالثة عشرة، وأن علاقته بها بدأت وهي في الرابعة عشرة وهو في الخمسين، ووصفت كيف استغل شهرته ليكسب ثقة أمها، وكيف لم يتدخل أحد من محيطه الأدبي. وبعد صدور الكتاب فتحت نيابة باريس تحقيقا بتهمة اغتصاب قاصر، وأوقفت دار “غاليمار” بيع يومياته.

فضيحة دوهاميل

أوليفييه دوهاميل من أشهر أساتذة القانون الدستوري في فرنسا، درّس في معهد العلوم السياسية بباريس، وترأس المؤسسة الوطنية للعلوم السياسية، وكان نائبا في البرلمان الأوروبي بين عامي 1999 و2004، وظل سنوات ضيفا دائما على الشاشات في كل حدث سياسي كبير.

وفي يناير/كانون الثاني 2021 نشرت ربيبته كاميل كوشنير، ابنة وزير الخارجية الأسبق برنار كوشنير، كتاب “العائلة الكبيرة”، وروت فيه أن زوج أمها اعتدى جنسيا على شقيقها التوأم، الذي سمّته في الكتاب “فيكتور”، حين كان مراهقا. وروت أن أمها، أستاذة القانون إيفلين بيزييه، علمت بما جرى ولم تقطع علاقتها به، وربطت بين القضية ووفاة خالتها الممثلة ماري فرانس بيزييه عام 2011.

ووصفت كاميل أيضا الصيف في بيت العائلة في سناري على الساحل الجنوبي، حيث كان يجتمع مثقفون وساسة من اليسار بينهم وزراء، في جو متحرر إلى حد أن بعض الكبار والصغار كانوا يتبادلون القبل على الفم. وتقول إن كثيرين في ذلك المحيط علموا بما جرى لشقيقها وغضّوا الطرف.

واستقال دوهاميل من مناصبه كلها بعد صدور الكتاب، وفي أبريل/نيسان 2021 أعلنت النيابة أنه أقر بالوقائع أمام المحققين، ثم أُغلق الملف في يونيو/حزيران لأن الجرائم سقطت بالتقادم. ومن مفارقات القصة أن برنار كوشنير، والد الضحية، كان من موقعي عريضة 1977.

المحاسبة المتأخرة

في أغسطس/آب 1996 اعتقلت الشرطة البلجيكية مارك دوترو، وهو مدان سابق بالاغتصاب أُفرج عنه مبكرا عام 1992. وكان قد خطف 6 فتيات، أصغرهن في الثامنة وأكبرهن في التاسعة عشرة، فماتت طفلتان في الثامنة جوعا في مخبئه حين كان هو محبوسا في قضية سرقة، وقُتلت اثنتان أخريان، وأُنقذت اثنتان. وفي أكتوبر/تشرين الأول خرج نحو 300 ألف شخص في بروكسل في “المسيرة البيضاء” احتجاجا على إخفاق الشرطة والقضاء.

وامتدت ارتدادات القضية إلى الجانب الفرنسي من الحدود؛ ففي عام 2003 اعتُقل في بلجيكا الفرنسي ميشيل فورنيريه، القادم من منطقة الآردين، بعد محاولته خطف طفلة في الثالثة عشرة. وفي 2004، بعد أيام من إدانة دوترو، اعترف بقتل فتيات في فرنسا وبلجيكا بين عامي 1987 و2001، إثر شهادة زوجته مونيك أوليفييه. وكانت من ضحاياه البلجيكية إليزابيث بريشيه (12 عاما)، وأمها من مؤسسي “الحركة البيضاء” التي وُلدت بعد قضية دوترو، وأخذ البلجيكيون على القضاء الفرنسي أنه أطلق سراح فورنيريه بعد جرائمه الأولى ولم يصنفه خطرا.

لكن القانون الفرنسي تأخر. ففي عام 2018 مددت فرنسا مهلة التقادم في جرائم الاغتصاب على القاصرين إلى 30 عاما تبدأ من بلوغ الضحية سن الرشد. وبعد كتابي سبرينغورا وكوشنير، أقر البرلمان في أبريل/نيسان 2021 قانونا يعدّ كل علاقة جنسية بين بالغ وطفل دون الخامسة عشرة اغتصابا، دون حاجة إلى إثبات العنف أو الإكراه، إذا تجاوز فارق العمر بينهما 5 أعوام.

DINANT, BELGIUM - JULY 06 The public Prosecuter Luc Balleux talks to the press on July 06 in Dinant, Belgium. Michel Fourniret is charged with multiple murders in Belgian Court in Dinant. Police continue to investigate possible links with the self confessed child killer to other unsolved cases. (Photo by Mark Renders/Getty Images)
المدعي العام البلجيكي لوك بالو يتحدث عن قضية فورنيريه عام 2004 (غيتي إيميجز)

في كل محطة من هذه الحكاية، سبق الضحايا المؤسسات. فقد حفظ القضاء ملف طفل “الكورال”، وترك قضية دوهاميل تسقط بالتقادم، وضحكت الصحافة من “الباليه الوردي”، ثم سخرت من بومبارديه لأنها واجهت ماتزنيف على الهواء. ولم يتحرك البرلمان إلا بعد أن كتبت سبرينغورا وكوشنير ما جرى، بعد أكثر من 30 عاما.

وملفات إبستين تكرر النمط نفسه. فقد قال ماكرون إن القضية أميركية، ثم تبين أن لها في باريس شقة وشريكا وتحقيقا أُغلق بموت ذلك الشريك. والتحقيق الوحيد المفتوح اليوم مع جاك لانغ لا يتعلق بتهم الاغتصاب والاعتداء بل على خلفية جرائم مالية.

داء لم ينتهِ

قد نظن أن هذه الجرائم صارت من الماضي، وأن الرأي العام والساسة والمثقفين في فرنسا باتوا أشد صرامة مع من يعتدون جنسيا على القاصرين. غير أن هذه الصرامة لا تنعكس بالضرورة على الواقع، ولعل قضية الإعلامي الفرنسي جان مارك مورانديني خير دليل على ذلك.

مورانديني إعلامي شهير ومقدم برامج تلفزيونية، لكنه صار في الأشهر الأخيرة أشهر بقضاياه أمام المحاكم منه بإطلالاته على الشاشة. ففي القضية الأولى أُدين بإرسال رسائل ذات طابع جنسي إلى ثلاثة مراهقين بين عامي 2009 و2016. وتعود وقائع القضية الثانية إلى عام 2015، حين كان ينتج مسلسلا على الإنترنت بعنوان “الصقور” (Les Faucons). وبحسب التحقيقات، ابتكر مورانديني شخصية وهمية باسم “كاترين لوكلير”، وقدّمها للشبان الراغبين في المشاركة في المسلسل على أنها مسؤولة اختيار الممثلين، وطلب من بعضهم عبرها إرسال مقاطع مصورة يظهرون فيها عراة أو يمارسون أفعالا جنسية، بحجة تقييم قدراتهم التمثيلية.

وكشفت التحقيقات أن “كاترين لوكلير” لم تكن سوى مورانديني نفسه، وأنه لم يكتف بطلب هذه المقاطع، فقد سأل أحد الممثلين الشباب إن كان مستعدا لممارسة فعل جنسي معه مقابل مساعدته في مسيرته المهنية.

وفي 21 مارس/آذار 2025 قضت محكمة الاستئناف في باريس بسجنه سنتين مع وقف التنفيذ وتغريمه 20 ألف يورو بعد إدانته بإفساد قاصرين، ومنعته نهائيا من ممارسة أي مهنة تتطلب التعامل مع القاصرين، وأكدت إدراج اسمه في سجل مرتكبي الجرائم الجنسية. وصار الحكم نهائيا في 14 يناير/كانون الثاني 2026، حين رفضت محكمة النقض الفرنسية طعنه. أما في قضية التحرش الجنسي المرتبطة باختيار الممثلين، فقد حُكم عليه في الاستئناف بالسجن 18 شهرا مع وقف التنفيذ، وصارت إدانته نهائية بعد أن تخلى عن الطعن فيها في يناير/كانون الثاني 2026.

ورغم هاتين الإدانتين النهائيتين، تمسكت قناة “سي نيوز” (CNews)، التابعة لمجموعة “كانال بلوس” التي تسيطر عليها عائلة الملياردير فانسان بولوريه، ببقاء مورانديني على شاشتها. وأثار ذلك أزمة داخل القناة بلغت ذروتها في 6 فبراير/شباط 2026 باستقالة الإعلامية الفرنسية التونسية سونيا مبروك، إحدى أبرز مذيعاتها والوجوه التي جسّدت خطها التحريري اليميني المحافظ، في قناة جعلت الهجرة والإسلام والهوية الفرنسية موضوعات مركزية في برامجها، وتُتهم باستمرار بالترويج لأفكار اليمين المتطرف.

وأمام تصاعد الضغوط، أعلن مورانديني في 9 فبراير/شباط انسحابه من الشاشة، غير أن ابتعاده عن الكاميرا لم ينه علاقته بالقناة؛ ففي أغسطس/آب 2026 عاد للعمل خلفها منتجا لبرنامج “الشرطة والعدالة: 24 ساعة في فرنسا” الذي تبثه “سي نيوز”. وهكذا لم تمنع إدانتان نهائيتان في قضيتين جنسيتين الإعلامي الفرنسي من مواصلة العمل داخل المؤسسة نفسها التي استقالت منها إحدى أبرز مذيعاتها احتجاجا على بقائه.



Source link

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *