لن يحتاج الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمغادرة البيت الأبيض اليوم الثلاثاء، كي يتنقل بين اثنتين من أكبر الحروب المعاصرة في العالم، وهما الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
فجدول أعمال ترمب يشمل استقبال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في التاسعة والنصف صباحا بتوقيت واشنطن، وبعد تسعين دقيقة فقط يحين موعد استقباله لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
المثير هنا أن ترمب عاد إلى السلطة بداية العام الماضي وهو يحمل خطابا واضحا رافضا لما وصفها بـ”الحروب التي لا تنتهي”، وبعد ستة أشهر فقط كان يتفاخر بأن جهوده أثمرت وقف ستة حروب دولية.
ووعد ترمب مرارا بأن تمتد جهوده إلى الحرب الأكبر في العالم في السنوات الأخيرة وهي الحرب الروسية الأوكرانية المشتعلة منذ منذ فبراير/شباط 2022 والتي وصفها بأنها “حرب بايدن”، في محاولة لإلقاء اللوم على سلفه جو بايدن.
لكن ترمب لم يتمكن من تنفيذ وعده بإيقاف هذه الحرب، بل وانضافت إليها حرب كبيرة أخرى كانت الولايات المتحدة هي من أشعلها مع إسرائيل عندما هاجمتا إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
وعقب استقبال ترمب لزيلينسكي ثم نتنياهو سينضم الثلاثة إلى مراسم تأبين السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام.
وهنا مفارقة أخرى، فغراهام كان من أكثر الأصوات الأميركية تأييدا لتسليح أوكرانيا، وهو كذلك من أشد الداعمين لإسرائيل ومواجهة إيران. وجاءت مراسم رحيله لتقدم فرصة لعقد لقاءين يختصران مأزق السياسة الخارجية لترمب ما بين حرب ورثها وفشل في إنهائها وأخرى اتخذ بنفسه قرار الدخول فيها.

حرب بايدن
في الحقيقة، لا تتشابه الحربان من حيث الأسباب أو الأطراف أو الساحات، لكنهما تلتقيان في نقطة أساسية هي مركزية الموقف الأمريكي، فلا يمكن أن تستمرا أو تتوقفا بمعزل عن قرار واشنطن، وهو ما يوضح حجم نفوذ ترمب من ناحية ويعكس حجم المسؤولية الملقاة عليه من ناحية أخرى مهما حاول أن يلقيها على الآخرين.
خلال حملته الانتخابية ركز ترمب على لوم منافسه آنذاك واعتبر أن ضعف إدارة بايدن هو السبب في استمرار الحرب مؤكدا قدرته على إنهائها سريعا ووقف الاستنزاف الأمريكي الذي تمثل في عشرات المليارات من الدولارات قدمتها واشنطن لدعم كييف عسكريا واقتصاديا.
في ذلك الوقت أوشك الكثيرون على الاقتناع بأن ترمب يستطيع فعلها، معتمدا على علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقدرته المفترضة على دفع موسكو وكييف إلى صفقة سريعة.
لكن بعد عام ونصف على عودته للبيت الأبيض، تبين أن الأمر أكبر من تصريحات ترمب، فروسيا تريد تثبيت مكاسبها الإقليمية وإبعاد أوكرانيا عن المنظومة الأمنية الغربية، بينما تطالب كييف بضمانات تمنع موسكو من استغلال أي هدنة لإعادة بناء قواتها واستئناف الهجوم لاحقا.
قبل لقاء اليوم، قال زيلينسكي إن الدفاع المضاد للصواريخ الباليستية والتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة يمثلان “الأولوية الأولى” في اجتماعاته مع الرئيس الأمريكي وفريقه.
ويعول الرئيس الأوكراني فيما يبدو على تحسن علاقاته مؤخرا مع نظيره الأمريكي بعدما شهدت الشهور الأولى من ولاية ترمب الحالية عدة مناوشات كان أبرزها ذلك اللقاء الشهير في البيت الأبيض نهاية فبراير/شباط 2025، والذي تعرض فيها زيلينسكي لإهانات ربما لم يسمع مثلها من الأعداء ناهيك عن الحلفاء.
وفي طريقه إلى واشنطن قام زيلينسكي أمس الاثنين بزيارة قصيرة لبريطانيا التقى خلالها مع رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، حيث أكد الجانبان استمرار التعاون بينهما وبحثا تقديم مزيد من المساعدات البريطانية لأوكرانيا تتصدرها تقنية “ستون كلوك” التي يقال إنها تمنع أنظمة الدفاع الجوي الروسية من تعقب واستهداف الطائرات المسيرة.

كيف علقت روسيا؟
بدورها، علقت روسيا على الزيارة عبر المتحدث باسم الكريملين دميتري بيسكوف الذي غمز من قناة واشنطن وتحدث عما وصفه بازدواجية موقفها.
بيسكوف قال إن واشنطن تعلن استعدادها للمساعدة في التوصل إلى تسوية سلمية، وهو أمر ترحب به موسكو التي تلاحظ أيضا أن الأمريكيين يواصلون تزويد أوكرانيا بالأسلحة متذرعين بأنهم يسلمونها إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وما يحدث بعد ذلك ليس من شأنهم.
التصريح الروسي يبدو وكأنه يضع ضغطا على ترمب خصوصا وأن زيلينسكي يريد المزيد من وسائل الدفاع المضادة للصواريخ، ولا سيما صواريخ باتريوت الاعتراضية، وكذلك استكمال اتفاق بشأن الطائرات المسيرة.
وتصطدم هذه المطالب برسائل متناقضة من واشنطن. ففي الوقت الذي يبدي فيه ترمب إعجابا متزايدا بقدرات أوكرانيا العسكرية وهجماتها على قطاع النفط الروسي، أبلغت وزارة الدفاع الكونغرس بأنها قد تؤخر حتى عام 2029 إنفاق 400 مليون دولار سبق أن أقرها المشرعون لمساعدة كييف.
ولذلك يعتقد مراقبون أن زيلينسكي لا يريد من لقاء اليوم مجرد كلام عن السلام، بل يريد معرفة ما إذا كان ترمب مستعدا لممارسة ضغط حقيقي على روسيا، أم أنه سيواصل مطالبة الطرفين بالتفاوض من دون منح أوكرانيا الأدوات التي تحسن موقعها على طاولة المفاوضات.
حرب ترمب
وبعد زيلينسكي، يأتي اللقاء الثاني الذي يشهد مناقشة حرب مختلفة جذريا. فالولايات المتحدة لم ترث المواجهة الحالية مع إيران، بل هي من بدأتها في 28 فبراير/شباط الماضي، بأوامر مباشرة من ترمب، ضمن عملية عسكرية منسقة مع إسرائيل أطلق عليها البنتاغون اسم “الغضب الملحمي”.
في الساعات الأولى للعملية، قال ترمب إنه يريد إنهاء تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنح الإيرانيين فرصة لإسقاط نظامهم. ثم توسعت الأهداف لتشمل تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، وقطع دعم طهران لحلفائها الإقليميين، ومنعها من الحصول على سلاح نووي.
لكن بعد أشهر، ورغم ما لحق بإيران من دمار وبدول المنطقة من خسائر، لا يبدو أن واشنطن حققت أهدافها، بل إن هدفها الأول حاليا هو فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية بحرية وهو أمر كان موجودا قبل الحرب.
يصل نتنياهو إلى البيت الأبيض وهو يريد الحفاظ على الضغط العسكري على إيران، وإقناع ترمب بألا تقود المفاوضات التي تعثرت مؤخرا إلى اتفاق يسمح لطهران بإعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية. وقد أعلن قبيل مغادرته أن إيران ستكون في مقدمة القضايا التي سيناقشها.
لكن نتنياهو لم يعد يلتقي رئيسا أميركيا منسجما تماما مع حساباته. فترمب يريد اتفاقا يمكنه تقديمه باعتباره نهاية ناجحة للحرب، بينما يخشى رئيس الوزراء الإسرائيلي أن تتحول رغبة واشنطن في الخروج إلى تسوية مؤقتة تؤجل المواجهة ولا تنهي مصادر التهديد التي تراها إسرائيل.
وكالة الصحافة الفرنسية لفتت في تغطيتها للزيارة إلى أن ترمب كان قد وجه انتقادات حادة لنتنياهو ووصفه بأنه “رجل صعب للغاية” كما أقرّ في وقت سابق بأنه وجّه له كلمات قاسية ونابية خلال اتصال هاتفي.
وفي المقابل، تشير الوكالة إلى أن نتنياهو كان دائما يقلّل من أهمية تلك الخلافات. ويعتبرها “اختلافات في النهج”، مؤكدا أن الطرفين يتفقان على أهداف الحرب.
ويبدو أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، اختار أن يتولى هو توجيه الانتقاد لترمب، حيث وصفه أمس الاثنين بأنه “رجل أعمال ساذج للغاية بشأن القضية الإيرانية”، مطالبا بضرورة الاستمرار في استخدام القوة ضد الإيرانيين بل والقيام بالمزيد من ذلك.

حربان متداخلتان
هما إذن لقاءان، وحربان، لكن لا يمكن الفصل بينهما بشكل تام، فالحديث متواصل عن تعاون بين روسيا وإيران يتمثل أساسا في تبادل التعاون والخبرات العسكرية، ومن زاوية أخرى، تتنافس أوكرانيا مع دول الشرق الأوسط على قدرات أميركية محدودة، خصوصا منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة.
لا يعني ذلك بالضرورة أن كل صاروخ يرسل إلى الشرق الأوسط يُسحب مباشرة من أوكرانيا، لكنه يكشف حدود قدرة الولايات المتحدة على إدارة عدة مواجهات كبرى في الوقت نفسه. فعندما يطلب زيلينسكي صواريخ باتريوت، ويبحث ترمب مع نتنياهو احتمال تجدد الضربات الإيرانية، يصبح مخزون السلاح الأميركي عنصرا مشتركا في حسابات الحربين.
كما أن كلا من نتنياهو وزيلينسكي يريدان من ترمب أمرا متشابها، فالأول يريد المحافظة على الخيار العسكري تجاه إيران والثاني يريد مزيدا من الدعم العسكري ضد روسيا.
في المقابل، يبدو أن ترمب مولع باستخدام القوة في الحالتين، لكنه يقول دائما إنه يستخدم القوة من أجل التوصل إلى صفقة لإنهاء الحرب.
هو فعلا ورث حرب أوكرانيا، لكنه أصبح مسؤولا عن استمرارها وطريقة إدارتها. أما حرب إيران فقد اختار بنفسه الدخول فيها، وبات يبحث عن مخرج منها قبل أن تتحول إلى نموذج جديد للحروب التي وعد بعدم بدئها.
ولذلك يبقى التساؤل قائما عما إذا كان ترمب بإمكانه الجمع بين النقيضين اللذين يتحدث عنهما بحيث يكون الرئيس الذي يستخدم القوة وأيضا الرئيس الذي ينهي الحروب.